عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
210
خلاصة المفاخر في مناقب الشيخ عبد القادر ( تتمة روح الرياحين )
فصعدت على الكرسي وتكلمت بما شاء اللّه من العلوم والمواعظ ، ووالدي يسمع فلم يخشع ، قلت : ولم يجر دمعه ، فصاح أهل المجلس بوالدي يسألونه أن يتكلّم عليهم ، فنزلت وصعد والدي ، وقال : كنت بالأمس صائما وقلت لي أم يحيى بيضات ، فجعلتها في سكرجة ووضعتها على الشرفة ، فجاءت السنورة فرمت بها وانكسرت ، فصاح أهل المجلس بالصراخ ، فلما نزل قلت له في ذلك ، فقال : يا بني أنت مدة سفرك سافرت إلى هنا ، وأشار بإصبعه إلى السماء ، ثم قال رضي اللّه عنه : يا بني إني كلما صعدت الكرسي تجلّى الحق عز وجلّ على قلبي وباسطني ، فحدثت بما سمعت بسطا مقبوضا ، وكان الذي رأيت من الناس ، قال : وكنت بعد ذلك ربما أصعد الكرسي وأتكلم على الناس بفنون من العلم والأصول والفقه والمواعظ ، ووالدي يسمع فلا يتأثر أحد من كلامي ، ثم أنزل فيصعد والدي فيقول : إن الساعة خير ساعة ، فيصيح أهل المجلس صيحة واحدة ، وكنت لما أسأله عن ذلك فيقول لي : أنت المتكلم وأنا المتكلم في غيري ، قال : وكان إذا سئل عن مسألة في مجلس وعظه ربما يقول : أستأذن اللّه في الكلام عليها ، ويطرق وتجلله الهيبة ويعلوه الوقار ، ثم يتكلّم عليها بما شاء اللّه تعالى . وكان يقول : وعزة العزيز ما تكلّمت حتى قيل لي : بحقي عليك تكلم ، فقد أمنتك من الرد ، فيقال لي : يا عبد القادر تكلم نسمع منك « 1 » . الحكاية الثالثة والأربعون بعد المائة عن الشيخ الكبير الرفيع المتّقي العارف المعروف بالشيخ بقا رضي اللّه عنه قال : حضرت مجلس الشيخ عبد القادر رضي اللّه عنه مرة ، فبينما هو يتكلم على المرقاة الأولى من الكرسي إذ قطع كلامه وسها ساعة ، ونزل إلى الأرض ثم صعد الكرسي ، وجلس على المرقاة الثانية ، فأشهدت المرقاة الأولى قد اتسعت حتى صارت مد البصر ، وفرشت من السندس الأخضر ، وجلس عليها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، رضي اللّه عنهم ، وتجلّى الحق سبحانه على قلب الشيخ عبد القادر ، فمال حتى كاد يسقط ، فأمسكه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لئلا يقع ، ثم تضاءل حتى صار كالعصفور ، ثم نما حتى صار على صورة هائلة ، ثم توارى عني هذا كله ، قال : فسئل الشيخ بقا عن رؤيته النبي صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، قال : أرواحهم شكلت وإن اللّه تعالى أيّدهم بقوة يظهرون بها ، فيراهم من قوّاه اللّه تعالى لرؤيته في صور الاعتقاد وصفات الأعيان ، بدليل حديث
--> ( 1 ) انظر : بهجة الأسرار ( ص 188 ) .